ضغوط الاستيراد وتهديد القدرة التنافسية؛ شركات صناعة الصلب الأوروبية تطالب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الواردات
وفقًا لـ Ahan 666، فإن صناعة الصلب الأوروبية، التي اعتُبرت لسنوات طويلة عصب اقتصاد القارة وأحد أهم الصناعات الاستراتيجية، تواجه الآن سلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية التي وضعتها في واحدة من أكثر فتراتها حساسية. وقد دفعت الضغوط الناجمة عن واردات واسعة النطاق من الصلب الرخيص من الصين، والزيادات غير المسبوقة في تكاليف الطاقة، وسياسات التعريفات الجمركية الأمريكية الصارمة، والقيود البيئية، إلى جانب تحديات الإنتاج المحلي، شركات صناعة الصلب الأوروبية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها. وقد دفعت هذه الظروف العديد من الخبراء إلى التحذير من أنه إذا لم يتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات عاجلة وحاسمة، فلن تتعرض القدرة التنافسية للصناعة في السوق العالمية للخطر فحسب، بل سيتعرض بقاءها نفسه للخطر تمامًا، وستتعرض آلاف فرص العمل القيّمة للخطر.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!تزايد الضغوط على الواردات وتهديدات الرسوم الجمركية الأمريكية
من أبرز المشاكل التي تواجه شركات صناعة الصلب الأوروبية ارتفاع حجم واردات الصلب الرخيصة من الصين. فعلى مدار العقد الماضي، شهدت صادرات الصلب الصينية إلى الأسواق العالمية نموًا هائلاً، وأصبحت أوروبا إحدى الوجهات الرئيسية لهذه المنتجات. وقد أدت هذه الواردات الرخيصة، إلى جانب الرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة التي تُقيد صادرات الصلب الأوروبية بشكل مباشر، إلى تعريض جزء كبير من الأسواق الأوروبية التقليدية للخطر. وقد سمحت الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة بنسبة 50%، والتي أوقفت فعليًا الصادرات الأوروبية، بتدفق الصلب الصيني الرخيص إلى أوروبا، مما وضع المنتجين المحليين تحت ضغط شديد.
أكدت إيلس هيني، الرئيسة التنفيذية لشركة تيسنكروب ورئيسة مجلس الإشراف على قسم الصلب في الشركة، على أهمية الدعم الفوري للصناعة، قائلةً: “تمر صناعة الصلب الأوروبية بمرحلة حرجة، وبدون دعم ملموس، لن تتمكن من مواصلة العمل والحفاظ على مكانتها التنافسية. لا يقتصر هذا التهديد على المنتجين فحسب، بل يُهدد بشكل خطير أمن سلسلة التوريد للصناعات الأوروبية بأكملها، وخاصة صناعة السيارات”.
وتظهر هذه التحذيرات أن أزمة الصلب الأوروبية لا تمثل تحدياً اقتصادياً محدوداً فحسب، بل تشكل تهديداً استراتيجياً للصناعات الرئيسية وتشغيل الملايين من البشر في القارة.
اقتراح فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الصلب
في مواجهة تزايد الضغوط الخارجية وخطر انخفاض الطاقة الإنتاجية، دعت مجموعة من أبرز شركات صناعة الصلب الأوروبية بروكسل إلى اتباع سياسات التجارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الصلب والأدوات المعدنية. ويهدف هذا الإجراء بالأساس إلى منع الاستيراد المفرط للصلب الرخيص ودعم الإنتاج المحلي، والحفاظ على الوظائف القائمة، ومنع إغلاق المصانع.
اقترحت دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الصلب بعد بلوغ حصة محددة، بالإضافة إلى قاعدة “الصهر والصب في المنشأ” للحد من إمكانية التحايل على الرسوم الجمركية عبر دول ثالثة. ورغم أن هذه السياسة قد تبدو تقييدية للوهلة الأولى، إلا أن مؤيديها يعتقدون أنه بدون هذه الإجراءات الحمائية، سيتعرض بقاء صناعة الصلب الأوروبية لخطر جسيم، وستتراجع الطاقة الإنتاجية والعمالة بشكل كارثي على المدى الطويل.
اعتماد الصناعات الأوروبية على الصلب المحلي
لا تقتصر أزمة الصلب الأوروبية على المنتجين فحسب. فالصناعات الرئيسية والاستراتيجية، وخاصةً صناعتي السيارات والآلات الثقيلة، تعتمد بشكل مباشر على الصلب المحلي عالي الجودة. وقد يُؤدي نقص هذه المادة الحيوية إلى تعطيل سلسلة التوريد لهذه الصناعات، ويُصعّب إنتاج المنتجات النهائية. وقد طرحت إيلس هين هذا السؤال المحوري، وقالت:
وتظهر هذه الكلمات أن دعم الإنتاج المحلي للصلب ليس ضرورة اقتصادية فحسب، بل هو أيضا قضية أمنية واستراتيجية لأوروبا، وأن قرارات بروكسل في هذا الصدد قد تحدد المسار الصناعي المستقبلي للقارة الخضراء لعقود قادمة.
التأثير على العمالة والقدرة الإنتاجية
يُعدّ تراجع التوظيف أحد أوضح مؤشرات الأزمة. ووفقًا لاتحاد الصلب الأوروبي (يوروفير)، سيُفقد حوالي 18 ألف وظيفة في صناعة الصلب في عام 2024 وحده، وقد فُقدت أكثر من 90 ألف وظيفة منذ عام 2008. كما تُطبّق شركات كبيرة، مثل تيسن كروب، خططًا صارمة لإعادة الهيكلة وخفض الطاقة الإنتاجية، بما في ذلك تسريح العمال وتخفيضات حادة في الإنتاج. قد يُضعف هذا القدرة التصنيعية لأوروبا على المدى الطويل، ويُقلّص بشدة من مكانة الصناعة التنافسية في السوق العالمية.
بالإضافة إلى فقدان الوظائف، فإن قيود الاستثمار والضغوط المالية الناجمة عن منافسة الواردات الرخيصة والرسوم الجمركية الأجنبية حالت دون تنفيذ العديد من المصانع لمشاريعها التنموية والابتكارية. ونتيجةً لذلك، تُعدّ أزمة الصلب الأوروبية مزيجًا من الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية وضغوط التوظيف، مما يتطلب حلولًا شاملة وطويلة الأمد.
اتجاه تصاعدي في واردات الصلب
من المتوقع أن يستورد الاتحاد الأوروبي أكثر من 28 مليون طن من الصلب في عام 2024، وهو ما يمثل ربع إجمالي مبيعات الصلب في الاتحاد. ويمثل هذا الرقم ضعف حجم الواردات تقريبًا في عامي 2012 و2013، ويأتي الجزء الأكبر منها من الصين. ومع فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية وقيود تصدير جديدة، من المتوقع دخول المزيد من الصلب الصيني الأرخص إلى السوق الأوروبية، مما يفرض ضغوطًا على المنتجين المحليين.
يُظهر هذا الاتجاه التصاعدي في الواردات ضعف سياسات ضبط السوق السابقة، وضرورة مراجعة سياسات الاتحاد الأوروبي الحمائية. وفي غياب إجراءات عاجلة، يظل خطر تراجع الحصة السوقية للمنتجين الأوروبيين وفقدان القدرات الاستراتيجية المحلية مرتفعًا للغاية.
استجابة المفوضية الأوروبية
أعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستطبق قواعد جديدة لتقييد واردات الصلب بنهاية هذا الربع. وكانت قد فُرضت رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب في عام 2019، إلا أن هذه السياسة لم تفلح في منع ارتفاع حاد في الواردات. والآن، تضطر بروكسل إلى اتخاذ قرارات أكثر صرامة بسبب الضغوط الاقتصادية والصناعية.
مع ذلك، لا تزال المفاوضات بين أوروبا والولايات المتحدة لخفض الرسوم الجمركية غير حاسمة، ولم تتحقق توقعات شركات صناعة الصلب بتخفيف واشنطن للضغط. كما أكدت رابطة يوروفر في رسالة إلى رئيس المفوضية الأوروبية أن “الولايات المتحدة من غير المرجح أن تدرس إعفاءات واسعة النطاق لصادرات الصلب الأوروبية في المستقبل القريب”.
المستقبل غير المؤكد لصناعة الصلب الأوروبية
يمر قطاع الصلب الأوروبي بمرحلة حرجة. فقد أدى الضغط التنافسي الناجم عن الصلب الصيني الرخيص والرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة إلى تقليص هوامش أرباح المنتجين، ويُنظر إلى الدعوة إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الواردات على أنها أداة للبقاء والحفاظ على الإنتاج والوظائف أكثر منها سياسة تجارية.
ومع ذلك، حتى في حال إقامة جدران جمركية، فإن الإصلاحات الجذرية، بما في ذلك خفض تكاليف الطاقة، والاستثمار في تقنيات إنتاج جديدة، وإزالة الكربون، ضرورية لاستمرار هذه الصناعة على المدى الطويل. وإلا، سيظل قطاع الصلب الأوروبي عُرضةً للتهديدات العالمية، وسيتعرض أمن سلسلة التوريد للصناعات الاستراتيجية في القارة لخطرٍ بالغ.